محمد باقر الملكي الميانجي
39
مناهج البيان في تفسير القرآن
والمراد من كون العذاب قريبا ، أو كون الساعة والقيامة - كما في غيرها من الآيات - قيل : إنّ قربه بلحاظ كونه حقّا وثابتا لا بدّ أن يتحقّق . وكلّ ما هو آت ، فهو قريب . واللّه العالم . قوله تعالى : « يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ » . الظّاهر أنّ اليوم ظرف للعذاب القريب . وقوله تعالى : « يَنْظُرُ الْمَرْءُ . . . » توصيف وتعريف لهذا اليوم . والمراد بالمرء هو الإنسان الواجد لشرائط التكليف في دار الدنيا . فكلّ امرئ ينظر إلى نفس عمله الّذي عمله في الدنيا في الكتاب الّذي لا يغادر شيئا من عمله - حسنا كان أو سيّئا ، صغيرا أو كبيرا - إلّا أحصاه ، فيرى عمله ويتذكّره . ومفاد بعض الروايات كأنّه فعله السّاعة . وأمّا ما ذكره بعض المفسّرين من أنّه ينظر جزاء عمله ؛ إن كان حسنا ، ينظر ثوابه ؛ وإن كان سيّئا ، ينظر عقابه ؛ فلا وجه له . ولا يجوز التأويل والعدول عن الظّاهر إلّا بدليل قاطع . ونظير الآية قوله تعالى : « يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً . . . » . ( آل عمران / 30 ) وليس المراد من المرء خصوص المؤمنين بقرينة مقابلته بالكافر في قوله تعالى : « وَيَقُولُ الْكافِرُ » - الخ ؛ لأنّ قوله : « وَيَقُولُ الْكافِرُ » عطف على « ينظر المرء » وكلتا الجملتين في سياق توصيف اليوم وتعريفه . وليس المراد به الكافر بخصوصه بقرينة وقوع العذاب القريب في هذا اليوم ، لما ذكرنا أنّ الجملتين في مقام توصيف اليوم الّذي ظرف للعذاب القريب . ولعلّ هذا الخلط والالتباس ، هو الموجب لما ذكره المفسّرون من تأويل قوله : « ما قَدَّمَتْ يَداهُ » أي : جزاء ما قدّمت يداه . وقوله تعالى : « ما » في « ما قَدَّمَتْ » موصول منصوب بنزع الخافض ، منصوب بقوله : « يَنْظُرُ » . أي : ينظر المرء إلى الّذي قدّمت يداه . فحذف ضمير الموصول من قوله : « قَدَّمَتْ » للاستغناء عنه في المقام .